القاضي عبد الجبار الهمذاني

374

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أن ما يدل ظاهره على ذلك هو المحكم ، دون الآخر ؛ وما دعا إلى هذه الطريقة فهو أولى في الحكمة . ومنها - أن عند النظر في ذلك ربما ذاكر العلماء ، وتعرف منهم ما أشكل عليه ، وما دعا إلى ذلك هو أولى مما يقتضي العدول عنه ؛ لأن مذاكرتهم تكشف عن الحق ؛ والعدول عنه يقتضي الثبات على الباطل ومنها - أن كونه كذلك أقرب إلى العدول عن طريقة التقليد ، إلى طريقة النظر ؛ لأنه إذا وجد القرآن مختلفا لم يكن بأن يقلد المحكم أولى من المتشابه ؛ فيحوج إلى الرجوع إلى الأدلة وتأملها ولو كان الجميع محكما لكان أقرب إلى الاتكال على ظاهره ، وطريقة التقليد فيه . . يبين ما قلناه : أن الكبير من العوام يتكل الآن على تقليد ما يشتهيه ، ويوافق اعتقاده ، ويعرض عما يخالف ذلك ؛ فلو كان كله محكما لكانوا إلى هذه الطريقة أقرب ؛ والمعلوم الّذي لا يختل في الشاهد : أن أحدنا إذا أراد بعث غيره على كثرة الفكر ، الّذي يشحذ الطبع ، ويتيح « 1 » الذكاء والفهم عمى عليه المراد ، ليفكر في الاستخراج ، وأجمل به القول ليتأمل ، فيستنبط منه الصحيح ؛ وربما رأى أن إيضاح ما يورد عليه يقتضي اتكاله على حفظه ، والعدول عن طريقة الفكر ، فيجد ذلك مفسدة ؛ وهذا يقتضي صحة ما ذكرناه في المتشابه ؛ وعلى هذا الوجه يحمل ما ذكره تعالى من الأدلة على التوحيد والعدل في كتابه : أنه نبه عليها جملة ، ليكون المكلف غير متكل عليها ، لكي ينظر فيما دلت في عقله ، من وجوه الأدلة ؛ فما الّذي يمنع ، على هذه الطريقة ، من أن يكون تعالى أنزل بعض الكتاب متشابها ؛ لأنه علم أن الصلاح ، أن يزداد نظرهم

--> ( 1 ) قد تقرأ « يليح » .